حبيب الله الهاشمي الخوئي
28
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
فقال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : فأنت في شكّ من ذلك فلعلّ هو ولعلّ ليس هو قال الزّنديق : ولعلّ ذاك . فقال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : أيّها الرّجل ليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم فلا حجّة للجاهل يا أخا أهل مصر تفهم عنّي فانا لا نشكّ في اللَّه أبدا ، أما ترى الشّمس والقمر واللَّيل والنهار يلجان ليس لهما مكان إلَّا مكانهما فان كانا يقدران على أن يذهبا ولا يرجعان فلم يرجعان فإن لم يكونا مضطرّين فلم لا يصير الليل نهارا والنهار ليلا اضطرّا واللَّه يا أخا أهل مصر إلى دوامهما والذي اضطرّهما أحكم منهما وأكبر منهما ، قال الزنديق : صدقت . ثمّ قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : يا أخا أهل مصر الذي تذهبون وتظنونه بالوهم فإن كان الدّهر يذهب بهم لم لا يردّهم وإن كان يردّهم لم لا يذهب بهم القوم مضطرّون يا أخا أهل مصر السّماء مرفوعة والأرض موضوعة لم لا تسقط السماء على الأرض ولم لا تنحدر الأرض فوق طباقها فلا يتماسكان ولا يتماسك من عليهما فقال الزنديق أمسكهما واللَّه ربّهما وسيّدهما ، فامن الزنديق على يدي أبي عبد اللَّه عليه السّلام . وقد أوردت هذه الرواية على طولها لتماميّتها في إبطال مذهب الدّهرية ونزيد إيضاحها بكلام أمير المؤمنين عليه السّلام ولو تأملتها حقّ التأمل ظهر لك أنّها في الحقيقة بمنزلة الشرح لقوله : ولم يلجئوا إلى حجّة ، إلى قوله : جان ، فتدبّر لتبصر . ولما نبّه على لطايف الحكمة ودقايق القدرة الشاهدة بوجود الصّانع المدبّر الحكيم في خلقة النملة أردف ذلك تأكيدا وتثبيتا بذكر دقايق الصنع وبراهين التدبير في خلق الجرادة فقال عليه السّلام : ( وإن شئت قلت في الجرادة ) نظير ما قلته في النملة من القول البيّن الكاشف عن تدبّر الصّانع الحكيم المدبّر ( إذ خلق لها عينين حمراوين وأسرج لها حدقتين قمراوين ) أي جعلهما مضيئتين كالسراج منيرتين كالليلة المنيرة بالقمر ( وجعل لها السمع الخفىّ ) أي عن أعين الناظرين وقيل : أراد بالخفىّ اللطيف السامع لخفىّ الأصوات .